المقريزي
95
المقفى الكبير
قابوس محمود بن حمك « 1 » إلى جهة الفيّوم بطائفة من العسكر فقتل نفرا من البربر وغنم غنائم كثيرة وعاد إلى المعسكر بالجيزة في سنة تسع . ومضى ثمل في المراكب فأخرج من الإسكندريّة أصحاب أبي القاسم وعاد إلى الجيزة فمضى منها إلى اللاهون « 2 » . وسار مؤنس وتكين في عسكرهما وعلى مقدّمتهما جنّي الصفواني ، فدخلوا مدينة الفيّوم . وسار أبو القاسم إلى تنهمت « 3 » وتوجّه إلى برقة ولم يكن بينهما لقاء « 4 » فرجع العسكر إلى المهديّة في رجب منها « 5 » ، بعد ما وقع في عسكره وباء وغلاء ، فمات أكثر خيله ورجاله . [ بناؤه المسيلة ] ثمّ بعثه المهدي في صفر سنة خمس عشرة وثلاثمائة على جيش كبير لقتال محمد بن خزر الزناتي ، وقد قام بالمغرب واجتمع عليه خلق كثير . فسار حتى بلغ ما وراء تاهرت ، وتفرّق الأعداء . وعاد فخطّ برمحه مدينة في الأرض سمّاها المحمّدية - وهي المسيلة - وكانت خطّة « 6 » لبني كملان فأخرجهم منها ونقلهم إلى فحص القيروان ، كأنّه توقّع منهم أمرا فأحبّ أن يكونوا قريبا منه . ولم يدر الناس معنى ذلك حتى ظهر أبو يزيد فكانوا أصحابه . ولمّا تمّ بناء المحمّديّة سكنها كثير من الناس ، وتقدّم أن يخزن بها كثير من الطعام ويحتفظ به ، ففعل ذلك ، فلم يزل مخزونا حتى خرج أبو يزيد ، فكان المنصور إسماعيل بن محمد القائم هذا يمتار منه ولا يجد غيره . ولمّا مات والده المهديّ عبيد اللّه كتم موته سنة « 7 » لتدبير كان له : فإنّه كان يخاف من اختلاف الناس عليه إذا علموا بموته . فلمّا تمكّن وفرغ من جميع ما يريد أظهر موت أبيه وبويع له في النصف من ربيع الأوّل سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة وله
--> ( 1 ) أبو قابوس محمود بن حمك : ولّاه مؤنس على مصر أيّاما ( الكندي 278 ) ، وبعثه إلى « ذات الصفا من الفيّوم فقتل نفرا من البربر وغنم غنائم ثمّ انصرف إلى الجيزة سنة تسع وثلاثمائة » ( الكندي 277 ) . وترك مصر مع مؤنس وثمل في أوّل ولاية هلال بن بدر . ( 2 ) اللاهون اليوم : بلدة على عشرين ميلا من مدينة الفيّوم بينها وبين النيل . وتقع على خليج المنها أو بحر يوسف ، الذي كان يحمل ماء النيل إلى بحيرة الفيّوم أو بركة قارون . وفي كتاب الولاة 272 : « فمضى ثمل في مراكبه إلى اللاهون » . أمّا مؤنس وتكين فقد سارا إلى الفيّوم على طريق البرّ . ( 3 ) تنهمت وأقنى : قريتان غربيّ مدينة الفيّوم ( انظر خريطة رفن كست ناشر كتاب الولاة ص 6 من القسم الإنجليزي ) . ( 4 ) عبارة الكندي 278 : ولم يكن بينهم ، أي بين المغاربة والمصريّين . ( 5 ) أي من سنة 309 . ( 6 ) خطّة بالكسر ، أي منزل ومسكن . ( 7 ) عند ابن حمّاد 18 : « وبويع يوم مات أبوه عبيد اللّه » ، فلا ذكر لكتمان الخبر طيلة سنة ، وكذلك عند القاضي النعمان : افتتاح ( بيروت ) 276 : « فنعي [ المهدي ] صبيحة الثلاثاء لعشر خلون من ربيع الآخر سنة اثنين وعشرين » . . . ، فالاختلاف هنا لا يتجاوز شهرا وخمسة أيّام . ولعلّ المقريزي خلط بين موت المهديّ وموت القائم : فالمنصور كتم موت القائم سنة وثلاثة أشهر كما سيأتي في ص 97 من هذه الترجمة ، وانظر ص 76 من ترجمة المنصور رقم 780 . وكتم موت القائم لأنه كان في حرب مع أبي يزيد . أمّا إخفاء موت المهديّ فلا مبرّر له ، والمقريزي نفسه لم يذكر هذه المهلة في الاتّعاظ وفي الخطط ، بل اكتفى بعبارة مماثلة لما في المقفّى : « فلمّا فرغ من جميع ما يريده وتمكّن ، أظهر موت أبيه . . . » ، ثمّ إنّ تاريخ المبايعة الذي سيذكره بعد قليل هو تاريخ وفاة المهدي : 15 ربيع الأوّل 322 . وفي العيون والحدائق 280 : « أخفى القائم موت أبيه لتدبير وسياسة » ، ولكن بدون ذكر مدّة الكتم .